عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

488

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : المراد ضعفة المؤمنين ، وهو اختيار جماعة من المفسّرين « 1 » ، قالوا : والتّبطئة بمعنى الإبطاء ، وفائدة هذا التّشديد تكرّر الفعل منه . حكى أهل اللّغة أن العرب تقول : ما بطأ بك يا فلان عنّا ، وإدخالهم الباء يدلّ على أنّه في نفسه غير متعدّ « 2 » ، فعلى هذا معنى الآية : أن فيهم من يبطىء عن هذا الفرض ويتثاقل عن الجهاد ، وإذا ظفر المسلمون ، تمنّوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة . قال : هؤلاء هم الّذين أراد اللّه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ [ التوبة : 38 ] ، قال : ويدلّ على أنّ المراد بقوله : « ليبطئن » « 3 » الإبطاء منهم لا تثبيط غيرهم قوله : يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ عند الغنيمة ، ولو كان المراد : تثبيط الغير ، لم يكن لهذا الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول : بأنه - تعالى - حكى أن هؤلاء المبطّئين ، يقولون عند مصيبة المؤمنين : قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً فيعدّ قعوده عن القتال نعمة من اللّه - تعالى - ، وهذا إنما يليق بالمنافق ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم : كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، يعني الرّسول « مودة » « 4 » ، ثم قال : وإن حمل « ليبطئن » على أنه من الإبطاء والتّثاقل ، صح في المنافقين ، لأنهم كانوا يتثاقلون . قوله : « فَإِنْ أَصابَتْكُمْ [ مُصِيبَةٌ ] » « 5 » أي : قتل وهزيمة « قال قد أنعم اللّه علي » بالقعود ، و « إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً » ، أي : شاهدا حاضرا في تلك الغزوة ، فيصيبني ما أصابهم ، و « إِذْ لَمْ أَكُنْ » ظرف ناصبه : « أَنْعَمَ اللَّهُ » ، « ولئن أصابكم فضل من اللّه » « 6 » أي : ظفر وغنيمة ، « ليقولن » هذا المنافق كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ [ الآية ] الجمهور على فتح لام « ليقولن » لأنّه فعل مسند إلى ضمير « من » مبني على الفتح لأجل نون التّوكيد ، وقرأ الحسن « 7 » بضمّها ، فأسند الفعل إلى ضمير « من » أيضا [ لكن ] « 8 » حملا له على معناها ؛ لأن قوله : « لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ » في معنى الجماعة والأصل : ليقولوننّ وقد تقدّم تصريفه . قوله : كَأَنْ لَمْ تَكُنْ هذه « كأن » المخفّفة [ من الثّقيلة ] « 9 » وعملها باق عند البصريّين ، [ وزعم الكوفيّون أنها حين تخفيفها لا تعمل كما لا تعمل « لكن » مخفّفة عند الجمهور ، وإعمالها عند البصريّين ] « 10 » غالبا في ضمير الأمر والشّأن ، وهو واجب

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 142 . ( 2 ) في ب : منعقد . ( 3 ) في ب : ليثبطن . ( 4 ) في ب : مودة يعني الرسول . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) في ب : حرف . ( 7 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 78 ، والبحر المحيط 3 / 303 ، والدر المصون 2 / 390 . ( 8 ) سقط في ب . ( 9 ) سقط في أ . ( 10 ) سقط في ب .